أحمد بن نصر الداوودي

30

الأموال

النظر التي ترفع مكانة أيهما على الآخر . وينتهي بعد تفنيده استدلالات كل فريق إلى أن الفقر والغنى لا فضل لأيهما في ذاته على الآخر ، وإنما هما ابتلاء من اللّه عز وجل ليعرف عمل الفقير في مواجهة ظروفه وسعيه للوفاء بواجباته ، وصبره على هذا الابتلاء ، وكذا الأمر بالنسبة للغني الذي ينبغي عليه القيام بالواجبات الشرعية المفروضة في ماله . 44 - ومما يجدر توضيحه أن هذا المنهج المتوازن في النظر إلى الغنى والفقر وتساويهما في كونهما ابتلاء من اللّه عز وجل للعبد في قيامه بواجباته هو الأقرب لمعايير التفكير الفقهي المتعلقة بالحقوق والواجبات ، على حين أن رفع مكانة الفقر هو الأقرب إلى منطق التصوف القائم على الزهد وتخلية القلب من الانشغال بالأمور الدنيوية . غير أن هذا المنطق بعيد في ذاته عن مقصود فقيه المالية العامة للدولة ، الذي ينشغل قلبه وعقله بتوفير الموارد التي تتيح للدولة القيام بواجباتها الشرعية . ولذا فقد كان تفضيل الغنى هو الأقرب لاختياره غير أن الفقيه الذي اعتاد النظر إلى التكليف بالحقوق والواجبات هو الذي صرفه عن هذا الاختيار إلى التسوية بين الغني والفقير ، واعتبارهما متساويين في الابتلاء بمسئولياتهما واختبار قيامهما بواجباتهما ، وأفضلهما الذي يقدم بهذه الواجبات . 45 - ومع هذا فقد كان الوصول إلى هذه النتيجة أمرا غير ميسر ، لكثرة المرويات التي استدل بها كل فريق ، ولتعدد الاتجاهات القائمة على أسس متباعدة . لكن الداودي قد استخدم أسلحة متنوعة في تأويل كثير من هذه المرويات ، وتقدير رواياتها ، والحكم بالضعف على بعضها ، وتمحيص دلالاتها . ويدل منهجه في الاستدلال في هذه القضية على حقه في عده بين طبقة الفقهاء المالكية المعتبرين من أهل الترجيح كابن رشد الجد وخليل والدردير وابن عبد البر . 46 - وقد تناول الداودي مورد الجزية الواجبة على أهل الذمة في إشارة عابرة ودون أن يتوقف أمام هذا المورد بأي قدر من التفصيل .